ما بعد اللقاء إلا الفراق ،، و ما بعد سنوات الزمالة الجامعية إلا وداع
كمفترق طريق ....ليشق كل واحد طريقه نحو بداية مسيرته التي حددها .
و كذلك شأن كريمة و ابتسام مع الأسف ، و خصوصا بعد استكمال سنتي
الماجستير بالشهادة و التميز ، و الطمع بالمزيد لم ينضب حينما خططت
كل منهما لنيل شهادة الدكتوراه ، ولا ضير في ذلك إن كان زيادة علم و تعلم
تنتفع به الأمة ..
هنا في محطة سيارات الأجرة موعد حزين و لكنه واقع صريح لا مفر منه
البتة ،، و لكل بداية نهاية كما يقولون .
ابتسام : ـ حزينة ـ لا تبكي يا صديقتي ...ألسنا من بلدة واحدة ..؟
كريمة : ـ تمسح دموعها ـ بلا و لكن لن نكون في غرفة واحدة ، توقظ
إحدانا الأخرى لصلاة الفجر ...
ابتسام : ـ تبكي ـ نعم فعلا و المصيبة أني لا أملك أختا الآن تعيش معي
في البيت مثل كل البنات ،، أختي الوحيدة تزوجت و انهمكت
في مسؤوليات الزواج و الأبناء ..، لا أجد إلا أمي لأزعجها بثرثرتي...
كريمة : على الأقل لك شقيقة أما أنا وحيدة وسط ثلاثة إخوة لكل منهم مشاغله،
و مسؤولياته ، و أمي منشغلة هي و جميلة بمتابعة المسلسلات على
أنواعها و أنا أمضي جل وقتي وحيدة في غرفتي بين كتبي ،، و إن غامرتُ
و جالستهن فعلي فعل ذلك دون انتقاد ما يشاهدانه ، لذلك لا أجتمع معهم
إلا على مائدة الطعام أو عند مجيء الضيوف .....
ابتسام : نفس الشيء مع أمي و لكن تستجيب لي و تغير المحطة لقناة دينية
حتى لا أنعزل عنها دائما في غرفتي ...و أنا أستغل الفرصة و أُدَلِّك قدميها
المريضتين هههههه لذلك بدأت تبحث عن المحطات الجيدة و تناديني هههه.
كريمة : تأخرت السيارة ...
ابتسام : احم احم يعني تنتظرين بفارغ الصبر الخلاص مني هههههه
كريمة : لا أبدا ... ههههه أنت لا تعلمين قدر محبتي لك يا أختي الحبيبة ؟!
لقد عشنا معا لخمس سنوات جامعية في هذه المدينة .. ، أخطئ مرارا
و أنا أنادي زوجة أخي باسمك حتى صارت تحتج و تغضب ههه ، تعودت
على وجودك في حياتي يا بسومتي فكيف سأستيقظ من اليوم فصاعدا
و لا أرى شعرك متطايرا في الأجواء ..
ابتسام : هههههه و أنا أيضا كيف أعيش و لا أسمع توبيخك المستمر : ابتسام
اليوم دورك في الطبخ ..ابتسام اليوم دورك في تنظيف الغرفة .....لا ترمي
الجوارب هنا ,,,,لا تتركي سجاد الصلاة على الأرض بعد الصلاة .
كريمة : كفى أرجوك سأبكي مثل الأطفال ..... ـ تبكي ـ
ابتسام : ـ صمت ثم بكاء ـ ...............
كريمة : ـ أمسكت يد ابتسام ـ يقولون : كل منا له طريقه في الحياة،
ولكن أينما ذهبنا فكل يحمل جزءا من الأخر، و أنا أقولها لك بدوري ..
ابتسام : ـ تبتسم ـ و أنا أقولها لك أيضا.و أقول لك
المفاجأة ...
كريمة : هل عرفت ؟
ابتسام : نعم هههههه زواج .
كريمة : لا أرجوك ليس من جديد ، أنا بالكاد نسيت خيبتي الكبيرة ..
ابتسام : على فكرة هل انتبهت لشخص كان حاضرا في الندوة التي كنتِ عضوا
في لجنتها ؟؟
كريمة : لا فكل اهتمامي كان منصبا على تقديم بحثي بشكل مميز ..
ابتسام : كمال ...
كريمة : ـ مرتبكة ـ ماذا...؟ حسنا و ما شأني أنا فالندوة كانت لعموم الطلبة و الأساتذة.
ابتسام : أنا أيضا لا أدري لماذا حضر و لكن ربما ليطمئن عليك و يتأكد من استمرارك
على خير ما يرام ....!
كريمة : أرجوك أغلقي الموضوع و لا تفتحي جراحي من جديد ..
ابتسام : اسمعيني لم أكمل لك ...و في نفس الندوة رآكِ صديق أخي و زميله
في التدريس و قرر الزواج بك إن شاء الله ...
كريمة : أصابتني عقدة من هؤلاء الموظفين ....
ابتسام : الرجل في الثلاثين من عمره طيب و على خلق و دين و فوق هذا كله
حافظ لكتاب الله تعالى و والداه سيقطعان مئات الكيلومترات من أجل خطبتك له ،،
صدقيني لو اختارني لما ترددت في قبوله ، و لكن وقع سهم قوسه عليك
و كل بقدر الله سبحانه.
كريمة : حافظ لكتاب الله .....ـ تهلل وجهها ـ
ابتسام : أرأيت يا صديقتي ..الجزاء من جنس العمل ، و أنت حفظت نصف القرآن
فرزقك الله هذا الشاب الحافظ للقرآن كاملا.
كريمة : أستخير الله و ما فيه خير سيكون بحوله تعالى ..
ابتسام : صدقيني إن الزواج بلا رضى الوالدين لا بركة فيه ، و لو تزوجك كمال
لربما تغيرت مشاعركما إلى الكره عند الاصطدام بأول عثرة.. و هذا
الأخ تمسك بك أكثر عندما أخبره أخي بموقف كمال بعد الخطبة
كريمة : ـ متوجسة ـ أخبره ...؟
ابتسام : طبعا يا عزيزتي ،، لست أول من تفسخ خطوبتها في هذا العالم ..
كريمة : فعلا ..و أنا و لله الحمد لم أشعر بالراحة و الانشراح إلا بعد نهاية تلك
المرحلة ..و أرجو الله أن يعوضني خيرا ، و يرزقك الزوج الصالح في القريب العاجل .
ابتسام : اللهم آمين و و ظيفة متحرمة إن شاء الله ...
كريمة : أسرعي التاكسي هناك ـ ذهبتا بسرعة ـ
انتهت الدردشة و جلسة النوستالجيا الجامعية ليبدأ مسلسل جديد في حياة
كريمة لأنها وافقت على الزواج من إدريس و الانتقال معه إلى مدينته رغم بُعدها
عن بلدتها و أهلها ، و الأمر كان يستحق صراحة لأن الشاب و عائلته مطلب كل
فتاة تريد أن تعيش على طاعة الله و تحفظ كتابه الكريم و كيف لا يكون جميلا
و المحفظ هو الزوج في نفس الوقت ..
ظنتِ الفتاة نفسها في حلم جميل تخشى الاستيقاظ منه ، لأن تجربتها المريرة
مع كمال جعلتها تتهم كل لحظة فرح تدخل حياتها ،، و تظنه باب الريح الذي
سيقتلع بسمتها من جديد ....و نسيت أن رب العزة حكيم لطيف قدير يرزق
عباده و يغنيهم من فضله ، و يعوضهم عن كل لحظة ألم بفرح يغمر قلوبهم ،
و هذا في الحياة الدنيا فما بالك بالآخره .
نعيمة : ـ تبكي ـ فلذة كبدي ..
عيسى : ماذا بك يا امرأة ؟؟؟
نعيمة : اشتقت لها كثيرا ...
عيسى : ـ يخفي دموعه ـ هداك الله ..و كأنها ماتت ..!!
نعيمة : كيف أستحمل هذا البعد .؟؟ كيف أصبر على فراقها بعد اليوم ..
عيسى : قلتيها بنفسك ..بعد اليوم ..و ابنتك غادرتنا بالأمس فكيف تتصرفين
بعد مرور شهر و سنة ...
نعيمة : ـ اشتد بكاؤها ـ اصمت اصمت يا لقلبك القاسي ..ـ و غادرت الغرفة ـ
عيسى : ـ يتأوه ـ صغيرتي ...اشتقت لك يا صغيرتي فعلا ..ـ و بكى ـ
و هكذا انتهى مشوار كريمة إلى بيت زوجها ،، هو جنتها الحقيقية لتعيش
نعمة الحب في طاعة الله دون ريب أو شك ....خاصة أنها تزوجت رجلا طيبا
يحبها و يقدرها ، و هي بالمثل تعامله .
أما ابتسام فقررت استكمال مشروعها لنيل الدكتوراه ، لأن مباريات التوظيف
استبعدت مستوى شهادتها لفترة محددة ..
ابراهيم أصبح أستاذا و عكف على التخطيط لمستقبله مع أمه و أخته مستبعدا
فكرة الزواج إلى أجل غير مسمى خاصة أن أخته ترفض كل من يتقدم له
لاختلاف الأسباب و المبررات التي يعتبرها دلالا مبالغا فيه إلا أنه لا يملك إرغامها
على ما لا تريد .
كمال عاد لاستكمال دراسته بسلك الماستر و قلبه مفطور من خبر زواج كريمة
بعد أن تفاءل خيرا خلال الندوة التي زارها و رأى فيها كريمة الطيبة الخلوقة
كما تركها وحيدة و بعيدة من كل شبهة تسيء لأخلاقها ،،
ظن أن الحلم سيتحقق و سيسهل إقناع والده بعد مرور ثلاث سنوات ، لكن
مقادير الله قضت أن لا تكون إلا لرجل قدره الله لها قبل أن تأتي للحياة الدنيا.
و بهذا تنتهي فصول قصتنا التي أرجو الله أن تكون قد تركت أثرا طيبا في
نفس كل من قرأها ، و أخص بالذكر الفتيات .
ها هي كريمة وقعت في الحب فتعذبت و عانت ، و بعد سنوات من آثار
هذا الحزن و البلاء تزوجت فوقعت في الحب الحقيقي و ارتاحت و عوضت
كل ما فاتها في السحر الحلال.
تذكروا جيدا أن من ترك شيئا لله عوضه خيرا منه
النهاية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق